أحمد بن محمد المقري التلمساني
88
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
ثم ذكر ابن خلدون كلاما كثيرا تركته لطوله « 1 » ، وملخصه أنّ الوزير أبا بكر بن غازي الذي كان تحيّز إليه ابن الخطيب ولّى ابن عمّه محمد بن عثمان مدينة سبتة خوفا عليها من ابن الأحمر ، ونهض هو - أعني الوزير - إلى منازلة عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ببطوية إذ كانوا قد بايعوه ، فامتنع عليه ، وقاتله أياما ثم رجع إلى تازا ، ثم إلى فاس ، واستولى عبد الرحمن على تازا ، وبينما الوزير أبو بكر بفاس يدبّر الرأي إذ وصله الخبر بأنّ ابن عمه محمد بن عثمان بايع السلطان أحمد بن أبي سالم ، وهو المعروف بذي الدولتين ، وهذه هي دولته الأولى ، وذلك أنّ ابن عمّ الوزير وهو محمد بن عثمان لما تولّى سبتة كان ابن الأحمر قد طاول حصار جبل الفتح ، وأخذ بمخنّقه وتكرّرت المراسلة بينه وبين محمد بن عثمان والعتاب ، فاستعتب له ، وقبح ما جاء به ابن عمّه الوزير أبو بكر بن غازي من الاستغلاظ له في شأن ابن الخطيب وغيره ، فوجد ابن الأحمر في ذلك السبيل إلى غرضه ، وداخله في البيعة لابن السلطان أبي سالم من الأبناء الذين كانوا بطنجة تحت الحوطة والرقبة ، وأن يقيمه للمسلمين سلطانا ولا يتركهم فوضى وهملا تحت ولاية الصبي الذي لم يبلغ ولا تصحّ « 2 » ولايته شرعا ، وهو السعيد بن أبي فارس الذي بايعه الوزير أبو بكر بن غازي بتلمسان حين مات أبوه واستبدّ عليه ، واختصّ ابن الأحمر أحمد بن أبي سالم من بين أولئك الأبناء لما سبق بينه وبين أبيه أبي سالم من الموات « 3 » ، وكان ابن الأحمر اشترط على محمد بن عثمان وحزبه شروطا ؛ منها أن ينزلوا له عن جبل الفتح الذي هو محاصر له ، وأن يبعثوا إليه جميع أبناء الملوك من بني مرين ؛ ليكونوا تحت حوطته ، وأن يبعثوا إليه بالوزير ابن الخطيب متى قدروا عليه ، فانعقد أمرهم على ذلك ، وتقبّل محمد بن عثمان شروطه ، وركب من سبتة إلى طنجة ، واستدعى أبا العباس أحمد من مكان اعتقاله فبايعه ، وحمل الناس على طاعته ، واستقدم أهل سبتة للبيعة وكتابتها فقدموا وبايعوا ، وخاطب أهل جبل الفتح فبايعوا ، وأفرج ابن الأحمر عنهم ، وبعث إليه محمد بن عثمان عن سلطانه بالنزول له عن جبل الفتح ، وخاطب أهله بالرجوع إلى طاعته ، فارتحل ابن الأحمر من مالقة إليه ، ودخله ، ومحا دولة بني مرين ممّا وراء البحر ، وأهدى للسلطان أبي العباس وأمدّه بعسكر من غزاة الأندلس ، وحمل إليه مالا للإعانة على أمره . ولمّا وصل الخبر بهذا كلّه إلى الوزير أبي بكر بن غازي قامت عليه القيامة ، وكان ابن عمّه محمد بن عثمان كتب
--> ( 1 ) انظر تاريخ ابن خلدون ط . دار الفكر ببيروت ج 7 ص 448 وما بعدها . ( 2 ) في أ « ولا تصبح » وقد صوبناه من ب . ( 3 ) الموات : جمع ماتة ، وهي الأمر الذي يتوسل به تقول : « مت فلان إلى فلان بكذا » أي توسل إليه به . ووقع في ب « من المواتي » .